0 رسالة يوسف باشا القرمانلي الى محمد شلبي بخصوص احداث بني وليد 1831م


 رسالة يوسف باشا القرمانلي الى محمد شلبي بخصوص احداث بني وليد 1831م




فراسين ربة سلاطين .. هل شوم من يوم كانو
حتى الترك سود القفاطين .. عصو فـ ايدهم لين لانو
.......................................................................

في الصورة نص الرسالة الموجهة من والي طرابلس الغرب يوسف باشا القرمانلي إلى محمد شلبي بيت المال بتاريخ 6 رجب1247 هجري الموافق 12/12/1831م حسب ما ورد في : (فصول في التاريخ الليبي) للمؤلف : نجم الدين غالب الكيب ، و تتناول كما هو مبين أحداث وادي بني وليد ليلة و نهار الثاني عشر من ديسمبر عام 1831 حيث كانت قبائل الصف الفوقي (ورفلة و اولاد سليمان و القذاذفة) قد انتفضت على الحكومة القرمانلية رافضة دفع دفع الميري أول الأمر ثم بايعت الشيخ عبدالجليل غيث سيف النصر أميرا لها قبل أن تنتهج الكفاح المسلح في إزالة سلطة السرايا الحمراء عن الدواخل إذ تمكنت من تنحيتها عن فزان بقوة السلاح و تلى ذلك إزاحتها عن مساحات أخرى من مكونات الأيالة متخذة من بني وليد معقلا لها و مركز لقيادتها .
و بحكم غياب التوثيق عن تلك الحقبة الزمنية فلم يتبق من شواهدها سوى القليل أبرزه رسالة الباشا هذه و بضعة حكايا مطعمة بأبيات شعبية .. بيد أن هذه الرسالة تظل شهادة مبتورة و قائمة على مغالطات تاريخية ، لكننا سنقبل الإستناد إليها مع الكثير من التحفظ حيال ما جاء فيها . فالعاقل إنما يستند في تقييم الموقف إلى المعطيات و الثوابت دون ركون مطلق لخيال ذلك المدعي الذي اقترن اسمه بأعمال وحشية يستحي منها أعتى الطغاة . كيف لا و قد تآمر على أبيه فأطاح به و غدر بأخوته فقتلهم دون أن يهتز له جفن ..
نعود لنص رسالته حيث يطلق العنان لخياله المريض استحضار لملامح نصر لم يدركه و درءا لمعالم هزيمة لم ينجو منها .
فيكف يستقيم قوله (لما نزلت المحلة بقليعات الحطابة في أسفل الوادي قبل أن تبلغ لهم سولت لهم أنفسهم الخبيثة و جردوا فيهم سبيب و تريس و هجموا على المحلة في الليل فوجدوا الناس على أهبة و المدافع في كل نزعة و بقى البارود و المدافع ينوضوا مقدار ثلاث ساعات و انهزموا مقبوضين و مات منهم بالدويلي و الرصاص ما يزيد على مائة و خمسين رقبة و سلمت المحلة و لم يمت منها حتى رجل واحد) فهل يعقل أن يسقط مئة و خمسين قتيلا من الثوار المبادرين و لا تفقد المحلة حتى رجل واحد و هي التي كانت بشهادته تحت وطأة الهجوم و على مدار ثلاث ساعات في جوف الليل؟ بل و على أيدي أناس خبروا تلك الأرض بكافة خصائصها الجغرافية و الطبيعية خلافا للجيش القرمانلي الذي لم يطأها قبل ليلته تلك !! ثم كيف يمكن تأتي هكذا مواجهة بنتائج على هذا النحو في ظل اختلاف الدوافع القتالية بين طرف قوامه أناس هبوا طواعية لمحاربة سلطة جارت عليهم و أرهقت كواهلهم بالضرائب و بين طرف عماده أناس جندوا إجباريا و تم الزج بهم في حرب لا ناقة لهم فيها و لا جمل !!
ثم يمضي القابع في السرايا الحمراء شاهدا بالزور حول تلك الوقائع فيقول : (و صبيحة اليوم الثاني رحلت المحلة و نزلت بقرب ظهرة الشيخ السوداني لأن ورفلة كلهم عقلوا في سرار الفوقيين و الأوطيين و أدهمتهم العساكر في معقل سرار و بن قايد أما معقل بن قايد و ما يليه أخذوه في أسرع وقت و قتلوا من فيه و ركحت العركة و في معقل سرار حمي الوطيس و طلعوهم منه ثلاث مرات و يرجعو له حتى أن أنجالنا باشروا القتال بأنفسهم ) ففي هذه أيضا مغالطة صارخة و تناقض واضح كون معقل سرار أقرب إلى ظهرة الشيخ السوداني ثم إلى قليعات الحطابة من معقل قايد فكيف ينهار المعقل الثاني بينما المعركة لا تزال حامية الوطيس في المعقل الأول ؟؟ بل كيف يضطر نجلي الباشا لمباشرة القتال (بأنفسهم) و هما قادة العسكر ما لم يكن شبح الهزيمة قد أحذق فعليا بالمحلة فأرادا إما سد عجز لتناقص عدد مقاتليهم و إما الرفع من الروح المعنوية لجندهم ، و في كلتا الحالتين هو إستشعار للهزيمة ، و ما قوله : (و جرح حصان سيدي علي و انجرح سيدي ابراهيم) إلا دلالة على تأزم موقف المحلة ، ففي الحروب لا يمكن النيل من قادة الجيوش إلا بتمزق أوصال قواتهم ، فكيف و قد أصيب حصان الأول و جرح الثاني !!
ثم كيف لهم أن يمنوا بالعفو بينما الطرف المقابل لم يلقي سلاحه بعد ؟ بل من أين أصابتهم تلك المروءة و الإنسانية في قوله (طلبوا منا العفو و الصلح و رفع القتال و حقن دماء المسلمين و أسعفوا بما طلبوه منا و عفونا و راعينا الضعفا و المساكين) فأين كانت هذه الإنسانية في قوله (و شرعوا العساكر في تقطيع الأشجار و تعديم الآبار من الفنادق إلى دفع الوادي لا قعدت زيتونة و لا حوش قائم البناء) بل أن هذا المسلك أيضا نرى فيه حجة على المدعي و تعبيرا عن فشل حملته في المهمة التي جاءت من أجلها إذ لم تجد وسيلة للتشفي إلا بالإنتقام من الحجر و الشجر !!
أما عن قوله: (ثم رحلت المحلة فنزلت بظهرة التربة و عاركتهم عركة أخرى في وسط الوادي و انقبضوا ورفلة إلى أن رقوا سرار و مات منهم مائتين و اثنى عشر رقبة و ثلاثة مائة مجاريح) فهو امتداد لشهادته المبتورة و نظرته الأحادية للمشهد فالواقعة تلك (عركة الوادي) و بحسب فرضية مجرى الأحداث علاوة على ما هو متواثر في الرويايات الشعبية إنما كانت بمبادرة أخرى من الثوار ردا على أعمال التخريب التي ارتكبتها الحملة في طريق عودتها غير المأسوف عليها .
و لم يكتف الباشا بهذا الزور الفاضح بل أخذته العزة بالإثم و عمد على درب تقليل خسائره للإنتقاص حتى من قيمة رجاله و أهمية جنده كما هي عادة كل طاغية إذ يقول : (أما المحلة لم يمت منها إلا مائة و خمسين رقبة من كل نسبة ثلاثة اثنين مالهم بال و لا فيهم متسميين)
........................................................................................................
هذا ما رواه الباشا عن تلك الوقائع التي يرى وحده بأنها نصر له و لقواته فيما سجلها الأدب الشعبي و بتعابيره العفوية البسيطة على نحو غير ذلك .. تقول الغناوة :
رسم سوق في شعبة الطين .. لليل يرقى طشاشه
سلك فيه دين المدافين .. و بات الغلب على الباشا
و الغناوة إن صح الإستناد إليها كشاهد على ما جرى فهي تشير إلى انكسار شوكة الباشا في تلك الموقعة و مبيته مغلوبا على أمره بعد أن ثأر الأهالي لقتلاهم و استردوا دينهم ، و في إشارة أخرى لحجم الخسائر البشرية في صفوف المحلة يهاجي المهاجي :
بشراك يا ذيب لوعار .. افرح و نادي خواتك
و انزل على بير صرار .. للحول تلقى مقاتك


0 comments:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Free Web Hosting