3 يومٌ تحت الحصار


يومٌ تحت الحصار




كتبها: قريّن الواعر

بعد أن قام حلف الناتو بقصف المتمركزين على أطراف المدينة الشمالية دخل ثوار الناتو الى الجهة الشمالية من المدينة بمساعدة بعض المحسوبين عليهم، وأنسحب الأهالي تحت وابلٍ من الرصاص والمدفعية الى القبائل الأخرى على الأطراف الجنوبية لوادي بني وليد، كان المنظرُ مزرياً جداً وكان الشيوخ والنساء والأطفال يهيمون على وجوههم لا يدورن أي الطرق يسلكون وكان الرصاص كثيفاً جداً وأصيبت طفلة لا يتجاوز عمرها 6 سنوات برصاصة في رجلها وكنا نحاول إرشاد النساء والأطفال الى الأماكن الآمنة لكي نضمن ابتعادهم عن أنظار القناصة.
اليوم يكون قد مضى على هذه الأحداث 7 أيام ونحن نعيش حياة أبناء سراييفو في زمن الحصار فلقد توزع القناصة على أسطح المنازل المقابلة و وزعت المدرعات والراجمات بين المنازل على سفح الجبل المقابل لمركز المدينة، كان يكفى ضوء هاتفك النقال لكي تنهال عليك طلقات الأسلحة المتوسطة والخفيفة بعد أن انقطعت الكهرباء جراء الاشتباك فقد تضررت خطوط الكهرباء بشكل كبير.
كانت الساعة تجاوزت الرابعة صباحاً بقليل وكنت نائماً لأقل من ساعتين حين استيقظت على دوي إنفجارات أمام النافدة وكانت طلقات مدفعية تنفجر عند نهاية المدى وسارعت بالإتجاة الى مؤخرة المنزل بعد اختراق إحدى القذائف لجدار المنزل من الجهة المقابلة لمكان تواجدي.
لم أستطيع مغادرة المنزل حتى الساعة التاسعة صباحاً بسبب كثافة القصف وبدى لي بأن الشخص مخمور جداً وفي حالة سكر لأنه بدأ القصف في منتصف الليل وكان يطلق قدائفة بشكل عشوائي ويدور في حلقة تساوي ثلاثة أرباع الدائرة وهي الجهة المقابلة له حيت يتمركز هو على الطرف الآخر للوادي والذي يمثل الربع الآخر وكان هكذا يروح جيئةً وذهاباً ويطلق القذائف بشكل مجنون.
كانت المنازل شبه خالية بعد أحداث الجمعة الماضية فقد غادر معظم الأهالي بعد يومٍ من القصف العنيف وتبادل إطلاق النار وقصف طائرات الناتو المكثف فحاولت أن أجد بعض الطعام ولكني لم أجد ما يسد الرمق فليس هناك كهرباء ولا أسطوانات للغاز و الخبز كان يابساً لدرجة أنه قد يقتلع أسنانك وأنت تحاول اقتلاع بعضه.
عند الثانية عشر ظهراً هدأت الأمور قليلاً فقررت الخروج في محاولة لإيصال الكهرباء الى المنزل من الخطوط الخليفة والتي كانت لا تزال تعمل ولم تتضرر بعد وعندما وصلت الى المكان أردت الاستراحة قليلاً بعد التقائي ببعض الأصدقاء فألقيت تلك البندقية التي كانت تتقل كاهلي وكنت لم أعتد على حملها بعد وبينما كنا نتبادل أطراف الحديث دوى صوت صفير الصواريخ من جديد ولم أحظ بفرصة لاستطلاع الأمر حتى سقط أحد صواريخ الراجمات على مقربةٍ منا فأحدث فينا الكثير من الفوضى وعندما قررنا الإسراع للمنزل الذي وقع عليه الصاروخ كان الثاني يعبر فوق رؤوسنا فركضنا للاختباء وعندما هدأت الأمور قليلاً خرجنا مسرعين لتفقد الأضرار وعند وصولنا وجدنا رجلاً مسناً يقف أمام منزلة الذي أصيب ولم تكن هناك أضرار كثيرة فقد أصابت بعض الشظايا سيارته وأحدث الصاروخ فتحة في سياج المنزل فحمدنا الله على سلامته وبينما كان المكان يزداد ازدحاما شيئاً فشيئاً عادت الصواريخ للسقوط علينا ولكننا لم نكن نملك أي مكان للاختباء فقد كان عليك الانبطاح أرضاً والدعاء بأن لا يسقط الصاروخ على ظهرك وعندما ينجلي الغبار تقوم وأنت تتحسس أطرافك لعلك قد فقدت إحداها.
وقعت الصواريخ بمكان ليس بالبعيد عنا والحمد لله لم يصب أياً منا بسوء وكان القصف قادماً من أقصى الشمال من وادي دينار ويبدو أنهم يقصفوننا عشوائياً فقد رأينا مجموعة أخرى من الصورايخ تسقط بعيداً عنا وعلى مقربة من مركز المدينة فعدت الى المنزل أجر أذيال الخيبة فلم أستطيع الحصول على الكهرباء لان المكان لم يكن آمناً أبداً فيما كان الرصاص أشبه بالمطر الغزير وسارعنا بالتفرق بعد الاتفاق على تحديد المكان الذي سنتمركز فيه للرد على أي اختراق محتمل للوادي كمحاولةٍ للعبور الى وسط المدينة وكنا لا نزال بحاجة الى الذخائر والأسلحة المتوسطة لأن البنادق لا تكفي لهذا الغرض.
وفي طريقي للمنزل كانت الأرض تهتز تحت أقدامي وتعالت سحب الدخان فيما كان صفير صورايخ الناتو عالياً جداً فقد قام الحلف منذ قليل بعمليات قصف شديدة بمركز المدينة ولم أستطيع تحديد المكان الذي قام حلف الناتو بقصفة ولكنه كان يبدو وكأنه مصنع النسيج أو ما يعرف(بمصنع الصوف) رغم أنه ليس مكاناً عسكرياً ولا توجد به أي ذخائر.

هدأت الأمور مساءً وكانت الظلام هو سيد الموقف فلقد انقطعت الكهرباء عن أغلب أجزاء المدينة وبعد صلاة العشاء عاد القصف مجدداً وكانت الراجمات تصب حممها علينا بدون إستتناء رغم أنهم كانوا يقولون بأنهم جاءوا لحماية المدنيين وبأن أسلحتهم تضرب أهدافها بدقة إلا أن قصفهم كان عشوائياً وانتقامياً بجدارة وتواردت الأنباء عن أن جميع المنازل التى في الجهة الشمالية قد سرقت وتم نقل السيارات والممتلكات كغنائم حرب فيما تم القبض على بعض شباب المدينة الموجودين وتوالى أطلاق بعض القنابل الضوئية بين الحين والآخر فيما كانت هناك تجهيزات لاقتحام المنطقة الشمالية وطرد ثوار الناتو منها وهذا ما حصل فيما بعد.
كانت تلك الليلة كسابقاتها وما تلاها، لا صوت يعلو فوق أصوات الصواريخ والقنابل ولم يكن هناك مكان يجعلك بمنأى عن الاستهداف فكل ما كنت تستطيعه هو أن تتوضأ وتصلي وتحاول النوم لبضع ساعات في أي مكان وأنت تتمتم بالشهادة لأنك قد تتعرض للإصابة في أي وقت وأنا هنا أكتب هذه الكلمات على ضوء خافت لآخر شمعة أمتلكها وقد قاربت على الذوبان وغداً قد يكون يوماً جديداً لي وقد لا يكون.

مهما يكن ما سيحدث بعد هذه الليلة فإن العزة والشرف لبني وليد، والموت والخزي والعملاء لأذناب الغرب ولكل من فرط في وطنه....
قريّن الواعر
18.09.2011
















روابط المدونة على مواقع التواصل الاجتماعي:

3 comments:

الشندولي يقول...

الحمد لله علي السلامة

الشندولي يقول...

الحمد لله علي السلامة . سلامتهم كبيرة .

غير معرف يقول...

الحمد لله علي السلامة ياقرين وهو فعلا كان انتقام وليس حماية او تحرير

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Free Web Hosting