0 رسالة من يوسف باشا الى محمد شلبي


رسالة من يوسف باشا الى محمد شلبي



كتبها: المخضرم\بني وليد

الحمد لله و صلى الله على سيدنا و نبينا محمد و آله و صحبه و سلم.
إلى الأجل الأفضل الوجيه الأقبل المحترم المبجل ولدنا الحاج محمد بيت المال أصلح الله له الحال و المال بمنه آمين السلام الأتم الأطيب الأعم عليكم و رحمة الله و بركاته و لا زايد سوى الخير يليه إعلامكم موجب الكتب إليكم هو أننا كنا عرفناكم سابقا على تجهيز الأمحال المنصورات و فيهم الأسعدين الأرشدين أنجالنا سيدي علي باي و سيدي ابراهيم باي و بينا لكم عدد العساكر و الخيل و الرجال و الآن نعرفوكم بما حل بأهل وادي بني وليد و من في حزبهم من أولاد سليمان و القذاذفة و غيرهم أول واقعة وقعت عليهم لما نزلت المحلة بقليعات الحطابة في أسفل الوادي قبل أن تبلغ لهم سولت لهم أنفسهم الخبيثة و جردوا فيهم سبيب و تريس و هجموا على المحلة في الليل فوجدوا الناس على أهبة و المدافع في كل نزعة و بقى البارود و المدافع ينوضوا مقدار ثلاث ساعات و انهزموا مقبوضين و مات منهم بالدويلي و الرصاص ما يزيد عن مائة و خمسين رقبة و سلمت المحلة و لم يمت منها حتى رجل واحد و لله الحمد على ذلك، و صبيحة اليوم رحلت المحلة و نزلت بقرب ظهرة الشيخ السوداني لأن ورفلة كلهم عقلوا في سرار الفوقيين و الأوطيين و أدهمتهم العساكر في معقل سرار و بن قايد. أما معقل بن قايد و ما يليه اخدوه في أسرع مدة و قتلوا من فيه و ركحت العركة و في معقل سرار حمي الوطيس و طلعوهم منه ثلاث مرات و يرجعو له حتى أن أنجالنا باشروا القتال بأنفسهم فجرح حصان سيدي علي و انجرح سيدي ابراهيم جرح خفيف و هدوا أولاد أبي سيف و طلبوا من أنجالنا العفو و احتزت العركة فمات منهم في ذلك اليوم مائتين و خمسين رقبة و أما المجاريح بلا حساب و الخيل كذلك و بقوا يتشفعوا و شرعوا العساكر في تقطيع الأشجار و تعديم الآبار من الفنادق إلى دفع الوادي لا قعدت زيتونة و لا حوش قائم البناء ثم رحلت المحلة و نزلت في ظهرة التربة و عاركتهم عركة أخرى في وسط الوادي و انقبضوا ورفلة إلى أن رقوا إلى سرار و مات منهم مائتين و اثنى عشر رقبة و ثلاثة مائة مجاريح و زاد في التشفيع فقدموا علينا المرابطين أولاد أبي سيف و أولاد بن مريم و زوي غريان و طاحوا علينا و طلبوا منا العفو و الصفح و رفع القتال و حقن دماء المسلمين و أسعفوا بما طلبوه منا و عفونا و راعينا الضعفا و المساكين بعد أن التزم عبدالجليل و مشايخ ورفله على يد أولاد أبي سيف بألف و خمسة مائة ناقة و مائة و خمسين رأس عبد و جابوا لنا عشرين رهينة من خيار أولاد المشايخ و عبدالجليل أعطى الساعدي و إبنه و أخيه عمر لولا أنه مجروح عاطيه و الرهاين الآن في قيطون الباي و يبغوا يسرعوا في إخلاص و التزموا بجميع ما أخذوا من فزان بتمامه و طمنونا أولاد أبي سيف في إتمام هذه الشروط و أما الباي محمد شركز فأنه مات مريضا و ولده أحمد و من معه باقي في القصر و عن قريب يقدم إن شاء الله على أسر حال بجميع ما عنده و لا يغير أحد عليه شيئ يكون ذلك في علمكم و إن شاء الله بعدما يرحلوا الأمحال المنصورات من وادي بني وليد نبغوا نجهزوا واحد من انجالنا للوطن الشرقي في محلة عظيمة تمهد الوطن و تواطي بعض أنوف شمخت كما في علمكم و أنت لابد تعرفت على أحوال أهل الوطن و ما هم عليه جملة و تفصيلا لنكونوا على بصيرة، أما المحلة لم يمت منها إلا مائة و خمسين رقبة من كل نسبة ثلاثة اثنين مالهم بال و لا فيهم متسميين إلا محمد ولد الشيخ بالقاسم بن منتصر و ولد منصور بن ابراهيم من عيلة الأدغم و الحاج أحمد بن سلطان، و جنيوا أهل المحلة من ورفلة مائتين فارس منهم ثمانين عند أهل الشرق، و تعلم أننا كنا كتبنا لك على عشرين و إلا ثلاثين قنطار سمن تبقى تهتم لنا منهم و ترسلهم لنا عاجلا في أول مركب، و ما أنت إلا ولدنا و أقرب ما لدينا، و ربنا يجيب تصرفات الجميع في الصواب و السلام، بتاريخ ٦من رجب الأصم سنة ١٢٤٧الحاصل هذه نقزة نقزوها ورفلة و من في حزبهم و جت على روسهم تكسروا تكسيرة كبيرة راحوا نحاييرهم و سعيهم كله راح، أما الغنم ما قعد عندهم منها حتى شاة واحدة سلموا فيها اقبالة و أخذوها العساكر بتمامها و الإبل كذلك راحت، شي أخذوه السبعة و الغنايمة، غير نوفل بروحه أخذ ثلاثة مائة ناقة، و شي ضاع في العقلة، و شي طاح عند المحلة و لا قعد عندهم شي و ادفدفوا تدفديفة كبيرة، و جميع رجالهم الذين تعرفهم الذي ما مات هو مات ولده، و ماتت فرسه، و الله غير من الطبول خاصة سبعة و عشرين راجل خيار اللي ماتوا، و لا تاسل لكن في الحقيقة ما تم أعداه للسلطنة و العمالة إلا المرابطين لما اضايقوا ورفلة و شرقوا و كثرت فيهم الموت و بدوا يتشفعوا و القتل فيهم و قريت يتاخد العفو لهدوا المرابطين أولاد أبي سيف و أولاد أبولموشة و السواعدية و اللمامن بن حميدان و خوته و أولاد الشيخ العالم و أولاد بن مريم كلهم و بد يتريبطوا على البيات و يطلبوا في العفو حتى ساعدوهم و أخذوا بخواطرهم، و ألا لو المرابطين كانت حجة و قضاها الله لكن إرادة الله غلبت و ما ينزاد علينا بعد هذا الجواب نعرفوكم به مع قارباش..

المرعي بالله يوسف باشا قرمانلي أيده الله آمين

كان هذا نص رسالة والي طرابلس الغرب يوسف باشا إلى محمد شلبي بيت المال بتاريخ 6رجب1247هجري الموافق 12/12/1831م و قد نقلتها حرفيا عن كتاب (فصول في التاريخ الليبي) للمؤلف (نجم الدين غالب الكيب) و تتناول كما يتضح أحداث وادي بني وليد في تلك الأيام الخوالي حيث اندلعت ثورة عبدالجليل سيف النصر و كان وقودها قبائل ما كان يعرف بالصف القبلي أو (الصف الفوقي) إذ أعلنت هذه القبائل خروجها عن سلطة السرايا الحمراء فرفضت دفع الميري و بايعت الشيخ عبدالجليل غيث سيف النصر أميرا لها و انتهجت الكفاح المسلح في إزالة السيطرة القرمانلية عن الدواخل فتمكنت من تنحيتها عن فزان بقوة السلاح و تلى ذلك إزاحتها عن مساحات أخرى من مكونات الأيالة..
و بحكم غياب التوثيق عن تلك الحقبة الزمنية فلم يتبق من شواهدها سوى هذه الرسالة و بضعة حكايا مطعمة بأبيات شعبية.. بيد أن هذه الوثيقة تظل شهادة مبتورة و قائمة على مغالطات تاريخية لكننا سنقبل الإستناد إليها مع الكثير من التحفظ حيال ما جاء فيها. فالعاقل يقيم حقيقة مجرى الأحداث وفق المعطيات و الثوابت دون ركون مطلق لخيال ذلك المدعي الذي اقترن اسمه بممارسات وحشية يخجل منها حتى نيرون روما و هولاكو المغول. كيف لا و قد تآمر على أبيه فأسقطه و غدر بأخوته فقتلهم دون أن يهتز له جفن..
نعود لنص رسالته حيث يطلق العنان لخياله المريض استحضارا لملامح نصر لم يدركه و درءا لمعالم هزيمة لم ينجو منها.

فيكف يستقيم قوله (لما نزلت المحلة بقليعات الحطابة في أسفل الوادي قبل أن تبلغ لهم سولت لهم أنفسهم الخبيثة و جردوا فيهم سبيب و تريس و هجموا على المحلة في الليل فوجدوا الناس على أهبة و المدافع في كل نزعة و بقى البارود و المدافع ينوضوا مقدار ثلاث ساعات و انهزموا مقبوضين و مات منهم بالدويلي و الرصاص ما يزيد على مائة و خمسين رقبة و سلمت المحلة و لم يمت منها حتى رجل واحد) فهل يعقل أن يسقط مئة و خمسين قتيلا من الثوار المبادرين و لا تفقد المحلة حتى رجل واحد و هي التي كانت بشهادته تحت وطأة الهجوم و على مدار ثلاث ساعات في جوف الليل؟ بل و على أيدي أناس خبروا تلك الأرض بكافة خصائصها الجغرافية و الطبيعية خلافا للجيش القرمانلي الذي لم يطأها قبل ليلته تلك!! كما أن الدوافع القتالية تختلف مابين الطرفين و هذا المعيار بالذات يلعب دور حاسم في المعارك فالطرف الأول قوامه أناس هبوا طواعية لمحاربة سلطة جائرة أكلت حقوقهم و أرهقت كواهلهم بالضرائب أما الطرف الثاني فعماده أناس جندوا إجباريا و تم الزج بهم في حرب لا ناقة لهم فيها و لا جمل فكيف تأتي المواجهة بهكذا حصيلة!!
ثم يمضي القابع في السرايا الحمراء شاهدا بالزور حول تلك الواقعة فيقول: (و صبيحة اليوم الثاني رحلت المحلة و نزلت بقرب ظهرة الشيخ السوداني لأن ورفلة كلهم عقلوا في سرار الفوقيين و الأوطيين و أدهمتهم العساكر في معقل سرار و بن قايد أما معقل بن قايد و ما يليه أخذوه في أسرع وقت و قتلوا من فيه و ركحت العركة و في معقل سرار حمي الوطيس و طلعوهم منه ثلاث مرات و يرجعو له) و في هذه أيضا مغالطة صارخة و تناقض واضح كون معقل سرار أقرب إلى ظهرة الشيخ السوداني ثم إلى قليعات الحطابة من معقل قايد فكيف ينهار المعقل الثاني بينما المعركة لا تزال حامية الوطيس في المعقل الأول؟؟
بل كيف يضطر نجلي الباشا لمباشرة القتال بأنفسهم و هما قادة الحملة ما لم يكن شبح الهزيمة قد أحذق بقواتهما فأرادا إما سد عجز لتناقص عدد الجنود و إما الرفع من الروح المعنوية لمقاتليهم و في كلتا الحالتين إستشعار للهزيمة و ما قوله: (و جرح حصان سيدي علي و انجرح سيدي ابراهيم) إلا دلالة على تأزم موقف المحلة، ففي الأعمال القتالية لا يمكن الوصول إلى قادة الخصوم إلا بتمزق أوصال قواتهم فكيف و قد أصيب حصان الأول و جرح الثاني!!
ثم كيف لهم أن يمنوا بالعفو و الطرف المواجه لهم لم يلقي سلاحه بعد؟
بل من أين أصابتهم تلك المروءة و الإنسانية في قوله (طلبوا منا العفو و الصلح و رفع القتال و حقن دماء المسلمين و أسعفوا بما طلبوه منا و عفونا و راعينا الضعفا و المساكين) فأين كانت هذه الإنسانية في قوله (و شرعوا العساكر في تقطيع الأشجار و تعديم الآبار من الفنادق إلى دفع الوادي لا قعدت زيتونة و لا حوش قائم البناء) بل أن هذا المسلك أيضا نرى فيه حجة على المدعي و تعبيرا عن فشل حملته في المهمة التي جاءت من أجلها إذ لم تجد وسيلة للتشفي إلا بالإنتقام من الحجر و الشجر!!


أما عن قوله: (ثم رحلت المحلة فنزلت بظهرة التربة و عاركتهم عركة أخرى في وسط الوادي و انقبضوا ورفلة إلى أن رقوا سرار و مات منهم مائتين و اثنى عشر رقبة و ثلاثة مائة مجاريح) فهو امتداد لشهادته المبتورة و نظرته الأحادية لحقيقة المشهد فالواقعة تلك (عركة الوادي) و بحسب الروايات المتوارثة كانت بمبادرة أخرى من الثوار ردا على أعمال التخريب التي ارتكبتها الحملة في طريق عودتها فهاجموها عند شعبة الطين بنواحي ظهرة التربة حيث يقول الشاعر:
رسم سوق في شعبة الطين
لليل يرقى طشاشه
سلك فيه دين المدافين
و بات الغلب على الباشا
و الغناوة إن صح الإستناد إليها كشاهد على الواقعة تشير إلى انكسار شوكة الباشا في تلك الموقعة و مبيته مغلوبا على أمره، و في إشارة أخرى لحجم الخسائر البشرية في صفوف المحلة يهاجي المهاجي:
بشراك يا ذيب لوعار
افرح و نادي خواتك
و انزل على بير سرار
للحول تلقى مقاتك
و لم يكتف الباشا بارتكاب المغالطات التاريخية فحسب بل عمد للتقليل من قيمة رجاله و أهمية جنده كما هي عادة كل طاغية إذ يقول: (أما المحلة لم يمت منها إلا مائة و خمسين رقبة من كل نسبة ثلاثة اثنين مالهم بال و لا فيهم متسميين)
هذا ما يتعلق بتفاصيل المعركة أما عن نتائجها السياسية فلم تصب في مصلحة السرايا الحمراء بأي شكل من الأشكال، فالثوار حافظوا على مناطق نفوذهم التي ظلت بمنأى عن السلطة القرمانلية و في هذا يقول الباشا عبر مراسلة جديدة: (لما طال الأمر كتب عبدالجليل لقنصل الإنجليز و طلب منه أن يقدم عليه فتكلم معنا القنصل و طلب منا أن يتوجه للوادي و يجيب عبدالجليل و إلا أخيه و يتمم الأمر بمساعدته على ذلك و تحسبوه يقضي حاجة و يحصل المقصود و تاري روح القنصل طاوي الحصيرة من جانب عبدالجليل و لا حصل منه على طايل غير الجوابات الفارغة و فزان لا هو مخليها و لا بغى يسلم فيها)

0 comments:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Free Web Hosting