1 النقيب : محمد وصفي الخازمي الورفلي


قائد  أول معركة في وجه المحتل الإيطالي ( النقيب : محمد وصفي الخازمي الورفلي)




بقلم : محمود الورفلي

هو المجاهد محمد وصفي بن الشيخ إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله الخازمي الورفلي, ولد في الفترة ما بين 1870 – 1875 م و أضيف إلى إسمه " وصفي " عند دخوله إلى المدرسة الرشدية في العهد التركي ليمّيز به على غرار ما كان سائدا آنذاك .
وعقب إكمال دراسته بالمدرسة العسكرية بباب البحر بطرابلس إلتحق بالكلية العسكرية بإسطنبول سنة 1890 م وتخرج منها سنة 1896 م حيث عُين كملازم ثاني صنف مشاة بحامية طرابلس , وتحصل لاحقا على عدة ترقيات وتقلّد عدة مناصب عسكرية مختلفة (1) .
ويُعد المجاهد محمد وصفي الخازمي من أوائل الضباط الليبيين الذين تخرّجوا من الكلية العسكرية بإسطنبول , مع عدد من زملائه أمثال المقدم "محمد فائق أبوشويرب" والملازم "علي أشرف المزوغي" و الملازم" محمد بن يونس الصراري" والنقيب "محمد صنعي الترهوني "... وغيرهم , وبالإضافة إلى عمله كضابط بالجيش عمل الخازمي في مجال التعليم فدرّس بالمدرسة العسكرية بباب البحر وفي المساء تطوّع بوقته لتعليم الأمييّن من أبناء وطنه بدون مقابل (2).
كان رحمه الله يتصف بالإخلاص والوطنية وكرم الأخلاق وطيب المعشر, ما جعله يحظى بإحترام وتقدير مَن عرفه من الناس, فكانت تربطه علاقات طيبة و وطيدة بالعديد من الأعيان والوجهاء والشخصيات الوطنية من مختلف أنحاء الوطن كسليمان الباروني وأحمد الشريف وأدريس السنوسي وغيرهم .
وبالإضافة إلى ذلك يُعد الخازمي من القادة العسكريين البارزين فقد عُرف بحدة ذكائه وقوة شخصيته وبالشجاعة والثبات في ساحات القتال . وإلى جانب وظائفه العسكرية والتعليمية إنخرط الخازمي في النشاط السياسي و كان عضوا بارزا في جمعية الجامعة التي كان يرأسها الشيخ "عمر محمد المسلاتي" وقد أسست هذه الجمعية كمقابل عربي لفرع جمعية الإتحاد والترقي والتي رأى فيها العديد من المثقفين من أبناء الوطن آنذاك أنها كانت تهدف لتتريك البلاد (3) .

الخازمي يقود أولى المعارك في وجه المحتل :

عقب وصول الأسطول الإيطالي بقيادة الأدميرال (لويجي فارافيللي ) إلى سواحل طرابلس في 29 من سبتمبر 1911م و إنتهاء مهلة الإنذار الذي وُجه للسلطات العثمانية لتسليم المدينة أعلنت إيطاليا رسميا الحرب على الدولة العثمانية , وبدأت مدافع الأسطول البحري الإيطالي بقصف المدينة في 3 أكتوبر1911 م (5), ومن اليوم التالي للقصف بدأت عمليات الإنزال أولا في طبرق ثم في طرابلس حيث تمركزت القوات الإيطالية في طرابلس في عدة مواقع متفرقة كبئر بومليانة ومقطع الحجر في قرقارش وغيرها(6) .
وفي تلك الأثناء كانت إستراتيجية القيادة التركية تقوم على نقل الأسلحة والذخائر إلى مناطق الداوخل كالعزيزية وغريان ويفرن (8) وتنظيم وتدريب كتائب المتطوعين من المجاهدين تمهيدا لبدء القتال, وإنطلاقا من هذه الإستراتيجية كانت تعليمات القيادة التركية هي عدم القتال في البداية حتى تتم عمليات الإنسحاب وتجهيز المتطوعين (9 ) بحجّة أن القتال الآن سيعرضهم لخسائر قد تقضي على قدراتهم العسكرية نهائيا, الامر الذي لاقى رفضا وغضبا من بعض الضباط الوطنيين, الذين رأوا في ذلك تراخي في الدفاع عن البلد , و عبّروا عن رفضهم لأوامر نشات بك قائد الأركان بعدم القتال حتى تصلهم الاوامر من القيادة العليا في تركيا وهدد بعضهم بالتمرد (10) وكان موقف المجاهد محمد وصفي الخازمي , الأكثر حدة والأشد حزما بل كان أقرب إلى التمرّد وعصيان الأوامر .
ما دفع وكيل والي طرابلس " أحمد بسيم " الطلب من قائد الأركان "العقيد نشأت بك" إعفاء المجاهد محمد وصفي الخازمي من مركزه خشية أن يقوم بعمل عسكري منفرد ضد الإيطاليين نتيجة لموقفه الرافض للأوامر .
ويقول في رسالته المؤرخة بتاريخ 4 أكتوبر 1911 م للعقيد نشأت بك :
( بلغت أمركم للنقيب وصفي الخازمي فنظر إلينا بغضب وقال أنه " أمر مختلق" وخال من التوقيع أبرزت له الرسالة التي بيدنا والموقعة أيضا وأظن أنه لم يقتنع فجمع كتيبته وذهب وبناء على الخبر الذي ورد في ذلك الوقت بأن العدو قد أنزل القوات في منطقة قرقارش إنه لمقاتل شجاع لاشك أن هذه تنتج الضرر. لذلك أظن لو عينتم أحد آخر لقيادة المركز ستنقذون البلد من الوضع السيئ !, وتنقدون أيضا هذا الشاب المغامر النيشط والشجاع من الموت بلا سبب ,والجنود الذين يتورطون بهذا الخطر ........) (11)

وأمام تلك الضغوطات أضطّر نشات بك إلى إصدار أوامره بمهاجمة بعض مراكز القوات الإيطالية .
في ذلك الوقت كان المجاهد الخازمي برتبة ( نقيب ) وكان قائدا للكتيبة الثانية من اللواء 125 في الجيش العثماني وكانت هذه الكتيبة تُعرف أيضا بإسم كتيبة المركز . (4) وفي ليلة التاسع من أكتوبر قاد المجاهد محمد وصفي الخازمي سرية من هذه الكتيبة وقاموا بالإغارة على مواقع العدو قرب مقطع الحجر في قرقارش , وكانت معركة حامية الوطيس مما إستدعى تدخل الأسطول البحري الإيطالي الذي قام بمساندة القوات البرية بعمليات القصف , و نتج عن المعركة بعض الخسائر في صفوف قوات الإحتلال الإيطالي وإستشهاد إثنين من المجاهدين وبعض الجرحى , وفي نفس الوقت أغارت قوات من المجاهدين من الكتيبة الثانية من اللواء 126 بقيادة المقدم محمد فائق أبوشويرب وبمشاركة الملازم علي أشرف المزوغي على القوات الإيطالية في منطقة بئر أبومليانة أسفرت عن وقوع ثلاثة شهداء بين المجاهدين وبعض الجرحى (33) وكانت هذه الغارات هي أول إصطدام مباشر بالقوات الإيطالية , وأستمرت لعدة أيام , وعلى الرغم من انها لم تحدث خسائر كبيرة في صفوف القوات الإيطالية إلا انها ساهمت في الرفع من الروح المعنوية للمواطنين والقوات النظامية فأزداد تقاطر المتطوعين للجهاد , وايضا زرعت هذه المعارك الرعب في قلوب الإيطاليين وبددت اوهام النزهة البحرية التي كانوا يتوقعونها وكانت تلك الرصاصات هي إيذانا ببدء مرحلة من الجهاد إستمرت لقرابة الربع قرن ضد قوات الإحتلال الإيطالي , وعلى أثر ذلك سارع الإيطاليون في إرسال التعزيزات إلى القوات البرية في طرابلس . (12)
وبالإضافة إلى هذه الغارات المسلحة والتي تعد وأول إصطدام مباشر بالقوات الإيطالية
شارك المجاهد محمد وصفي الخازمي في عدة معارك اخرى منها
معارك في بئر أبو مليانة في الأيام 13 و 14 و 15 \ 10 \ 1911 م
ومعركة الهاني 23 -25\ 10 \ 1911 م
ومعركة سيدي المصري في 26 \ 10 \ 1911 م
ومعركة سيدي عبد الجليل في 8 \ 7 \ 1912م
ومعركة جنزور الثانية 30 \ 9 \ 1912 م ..وغيرها (13) وعلى أثر هذه المعارك وعرفانا له وبمواقفه البطولية وثباته في ساحات الجهاد تحصل المجاهد الخازمي على ترقية في رتبته العسكرية من نقيب إلى مقدم .
عقب صلح لوزان في أكتوبر 1912 م كان المجاهد وصفي الخازمي من الرافضين للصلح والإستسلام الأمر الذي أُخذ عليه كتمرد على القيادة (14) وعقب هزيمة المجاهدين في معركة جندوبة في مارس 1913م هاجر المجاهد وصفي الخازمي إلى تركيا مع من هاجر من المجاهدين والأعيان في ذلك الوقت كسليمان الباروني وسوف المحمودي وغيرهم , وبعد أقل من عام عاد إلى أرض الوطن وأستقر في برقة حيث أنضم إلى المجاهد أحمد الشريف الذي عينه رئيسا لأركانه (15).
وقد شارك المجاهد محمد وصفي الخازمي الذي رُقي إلى رتبة لواء في حملة المجاهد أحمد الشريف على الإنجليز في مصر التي بدأت في آواخر عام 1914 م وقاد عدة معارك ضد الإنجليز داخل الأراضي المصرية وتمكن في نوفمبر من عام 1915 م من إحتلال واحة سيوة بعد معركة عنيفة مع القوات الإنجليزية وتوغل جنوبا حتى منطقة الواحات ( الفرافرة ) وما حولها (16)
وشارك في العديد من المعارك حتى عام 1917 م حيث إضطر المجاهد أحمد الشريف إلى الإنتقال غربا عقب تمكن القوات الإنجليزية ولفارق الإمكانات ولتخلف الأتراك عن الوفاء بوعودهم وتقديم الدعم من إسترداد المناطق التي سيطر عليها المجاهدون سابقا,وظل المجاهد محمد الخازمي مرافقا للمجاهد أحمد الشريف حتى إنتقاله إلى أجدابيا , وبعد أن إنتقل المجاهد احمد الشريف إلى تركيا ظل محمد الخازمي في أجدابيا وإلتحق بأدريس السنوسي ورفاقه وظل برفقته حتى هاجر إلى مصر هو وعائلته أوائل العام 1923 م فأستقر في الإسكندرية وأقام فيها لفترة من الزمن أمضاها في شوق وحنين للعودة إلى أرض الوطن ولكن المرض لم يمهله كثيرا فتوفي رحمه الله بعد أقل من سنة من إستقراره في الأسكندرية عام 1924 م (17)


النقيب محمد وصفي الخازمي ( يسار الصورة ) يتقدم صفوف المجاهدين في إحدى المواقع في منطقة عين زارة بطرابلس سنة 1912 م وإلى جانبه بعض رفاقه من الضباط المجاهدين





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(1) : محمد الصادق حسنين ( أضواء على محفوظات السراي الحمراء) مجلة الوثائق والمخطوطات العدد 2, السنة 2, ص95 .
(2) : مختار الهادي بن يونس ( رد على الرد ) ,دار الكلمة للطباعة والنشر, طرابلس – ليبيا , ص 112 \ أيضا : مصطفى هويدي ( الحركة الوطنية في شرق ليبيا خلال الحرب العالمية الأولى ) , مركز دراسات جهاد الليبيين , ص 68 .
(3) : رواية الشيخ محمود المسلاتي شريط رقم 2\42 , مكتبة مركز دراسات جهاد الليبيين الصوتية.
(4) : محمد الصادق حسنين ...نفس السابق ص 95 \ أيضا : ( تاريخ القوات المسلحة التركية " الدور العثماني ", الحرب العثمانية الإيطالية 1911 – 1912 م ) ترجمة : د علي اعزازي , منشورات مركز الجهاد ص186 – 188 .
(5) مذكرات جوليتي ( الأسرار السياسية والعسكرية لحرب ليبيا ) ترجمة التليسي الدار العربية للكتاب ص80 .
(6) : فرانسيس ماكولا (حرب إيطاليا من أجل الصحراء ليبيا ) ترجمة عبد المولى الحرير , منشورات مركز الجهاد, ص150 .
(7) : الطاهر الزاوي ( جهاد الأبطال ).... ص 84 .
(8) : العميد البحري وليام بهيلر ( تاريخ الحرب التركية الإيطالية 29\9\1911 م – 18 \ 10 \ 1912 م ) ترجمةعبد المولى صالح الحرير , منشورات مركز الجهاد , ص39
(9) : الطاهر الزاوي ... ص91 .
(10) : الطاهر الزاوي ...ص90 ( على الرغم من أن موقف النقيب وصفي الخازمي كان الاكثر حدة من بين رفاقه في رفض التقاعص التركي عن الجهاد وكان الموقف الوحيد الذي تم توثيقه من قبل الضباط الأتراك إلا أن المرحوم الطاهر الزاوي قد أهمل ذكره في كتابه الذي سمّاه " بجهاد الأبطال " وإكتفى بذكر بعض من رفاقه فقط ! ).
(11) : تاريخ القوات المسلحة التركية ...نفس السابق , ص563 .
(12) : الهاشمي محمد بلخير ( معركة الهـــاني ) ص 57 مركز دراسات جهاد الليبيين سنة 1985\ أيضا : تاريخ القوات المسلحة التركية ...نفس السابق ص186 – 188 .
(33) : الزاوي ص 94
(13) : تاريخ القوات المسلحة التركية......نفس السابق ,ص195 . \ أيضا انظر : مختار بن يونس , مجلة الشهيد العدد 4 , ص216 , ص365 .
(14) : أ . مختار الهادي بن يونس ( رد على الرد ) ,دار الكلمة للطباعة والنشر, طرابلس – ليبيا , ص 107 .
(15) رواية الشيخ محمود المسلاتي ...نفس السابق .
(16) : رواية الشيخ محمود المسلاتي ...نفس السابق \ أيضا : مصطفى هويدي ...نفس السابق, ص 68
(17) : رواية الشيخ محمود المسلاتي ..نفس السابق \ أيضا : أ . مختار بن يونس نفس السابق... ص 107

1 comments:

غير معرف يقول...

كانو رجال وان شاء الله احفادهم يكونو من الرجال

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Free Web Hosting