3 تاريخ ورفله | الجزء الثاني


تاريخ ورفله | الجزء الثاني




الكاتب: د. محمود عمار المعلول



ذكرنا في مقال سابق نبذة تاريخية عن ورفلة وبني وليد وأصل التسمية ، واستعرضنا ورود أسم بني وليد وأسم ورفلة في كتابات المؤرخين والرحـالة حيث ذكرنا أن ورفـلـة سميت بهذا الاسم نسبة إلى ( ورفل ) الذي ذكره بن خلدون في تاريخه، وأنها بمعنى المكان المرتفع.

كما أن الأسمين ( ورفلة ـ بني وليد ) قد تكررا لدى أولئك الرحالة والمؤرخين فمثلاً الرحالة الفرنسي كلود جرانجيه الذي يعتبر من أهم الرحالة الفرنسيين الذين زاروا ليبيا وسجلوا ملاحظات عن الآثار والأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، زار منطقة بني وليد في يوم 22 . 01 . 1734 م ، وذكرها بالاسم .

 وكان الهدف من رحلته هو البحث والكشف عن المدينة المسخوطة ( قرزة ) كما يسميها بعد أن سمع بأن سكانها ونباتاتها وحيواناتها تحولت إلى حجارة ، وتعتبر رحلته أقدم الرحلات الأوروبية المعروفة إلى ليبيا حتى الآن ، كما زار بني وليد أيضاً الرحالة البريطاني هنري سميث في شهر نوفمبر سنة 1817 م ، وكان الهدف من رحلته اكتشاف آثار مدينة قرزة ، واستطاع الوصول إليها ، وأن ينقل منها بعض المنحوتات والآثار ، ويعتبر أول من نقل آثار قرزة .

 كذلك زارها الرحالة ديكسون دنهام ، وكان الهدف من رحلته هو الآخر الكشف عن مدينة قرزة الأثرية التي وصلها في 13 . 01 . 1825 م ، إلا أنهما لم يتركا لنا وصفاً للمنطقة نستدل من خلاله على وجود أسم بني وليد أو اسم ورفلة ، أو أحوالها السياسية أو الاقتصادية .

أما الرحالة الإنجليزي جون فرانسيس ليون فقد زار منطقة بني وليد خلال الفترة من 15 ـ 18 من شهر فبراير 1818 م وأورد الأسمين حيث ذكر ( عاودنا المسير صوب بني وليد ......... حيث تبدت لنا ........ جماعات من طائر الحجل ......... وسكان ورفلة هم قبيلة ( ورفلة ) وهم قوم يجمعون بين الرقة والأناقة ، وبناتهم غاية في الجمال ، ويعيش هؤلاء الناس عيشة بؤس فرضها عليهم الباشا [ يقصد يوسف القرمانلي ] ، ولهذا فإن قلوبهم تمتلئ حقداً وكرهاً له ، ويقومون بتأجير جمالهم ويصاحبون التجار في قوافلهم إلى أعماق القارة ، وتعيش قبيلة ورفلة على هذه الحالة بعد أن كانت قبيلة شديدة البأس ) .

وعن وادي بني وليد يقول ( ينتج الوادي نذراً يسيراً من الغلال حيث تتركز الزراعة في المناطق الشرقية ، وفي مواسم الحصاد يرحل ملاك الأرض في جماعات لجني المحصول ، أما إنتاج الوادي من الزيوت فوفير تكثر به أشجار الزيتون والنخيل ) .

 وفي موضع أخر من رحلته يذكر بأن سوق المدينة يعقد يوم الخميس أمام قلعة بني وليد ويمتلئ بالخراف والماعز والبلح والغلال والبارود .................. (ويذكر بأن الشيخ المرافق لهم أحضر لهم في الليل وجبة بازين ) .

 أما عن عدد سكان بني وليد في تلك الفترة ( 1818 م ) فيذكر بأنه ( يقارب الألفين إلا أنهم مبعثرون بطول وعرض الوادي ، ولهذا يتعذر التكهن بالرقم الصحيح ) .

كذلك زار بني وليد الرحالة والطبيب الألماني جوستاف ناختيجال في شهر فبراير سنة 1869 م وذكرها بالاسم ( بني وليد ) ، وأن طريقها يعتبر من الطرق المعتادة للقوافل والبريد حيث يتوفر الماء في محطات أكثر انتظاماً ، كما توجد استراحات أكثر ملائمة في مراكز سكانية .

ويذكر في رحلته عن بني وليد ( يأتي في اتجاه طريقنا وادي الحلفاوي بعد وادي قرار الدربوك الذي ينقل كميات مياهه المنقطعة خلال وادي القرجومة إلى وادي بني وليد .................. وادي الحلفاي الذي تنزله قبائل بني وليد ) ، ويضيف ( زرعت بعض المناطق شعيراً واقتصرت الطبيعة على إنتاج نبات الحلفاء وبعض النباتات والشجيرات الشوكية وأشجار البطوم ............. ووصلنا من وادي الحلفاوي ................ وادياً صغيراً يسمى غلبون الذي يتبع نظام تصريف وادي مردوم ـ ويبدو بأن هذا هو الاسم الصحيح لوادي بني وليد ) .

ثم يسترسل بعد وصوله إلى بني وليد في ذكر الأودية الخصبة الغنية بمراعيها مثل وادي دينار والمردوم وتماسلة ، ويضيف ثم ( وصلنا إلى وادي مردوم الفسيح الرائع من خلال شبكة معقدة من روافده الصغيرة ، حيث توجد غابات من أشجار الزيتون لم أر مثلها من قبل تدهش وتسر عين المسافر ............ ويمتد وادي بني وليد مع كثير من الالتواءات من الغرب إلى الشرق ).

ويضيف ( وتوجد على المرتفعات المنحدرة إلى الجنوب القلعة العثمانية بمديرها أو رئيس المنطقة ................ وتتواصل المزروعات بالوادي لمسيرة أربع ساعات وتشتمل على حوالي 4000 شجرة زيتون وبعض أشجار التين والبرقوق ......... وأشجار السنط [ الطلح ] وشجيرات الأثل ، وتعود ملكية هذه المزروعات إلى عدد كبير من القرى التي تنتشر على جانبي الوادي حوالي 45 قرية طبقاً لكاتب الحكومة الذي كان يمثل المدير الغائب ) .

 ويذكر في موضع أخر متحدثاً عن زيت الزيتون في بني وليد ( يكون مردود المسافر من الشمال عالياً إذا ما تحمل تعب إحضار زيت الزيتون الممتاز معه من بني وليد ) .

كذلك يذكر ورفلة عند حديثه عن الصراع بين عبد الجليل سيف النصر ( 1797 ـ 1842 م ) ويوسف القرمانلي ( 1766 ـ 1838 م ) فيقول : ( لما شب وترعرع جيل جديد كانت الروح العسكرية لأولاد سليمان تنتعش ، وتوحدت بطونها مرة أخرى كما كان الحال في أيامها الأولى .......... واستعادوا سمعتهم السابقة بين القبائل المجاورة ولم يتطلب الأمر دافعاً قوياً لإثارة روح الثأر لديها وانطلاقها نحو حركة صريحة المعالم ففي خلاف مع يوسف باشا اتجهت ورفلة الحليف القديم للقبيلة ، وطلبت مساعدة عبد الجليل وهو بكل سرور انتهز الفرص لتحقيق خططه للانتقام فاستولى على سبها ....... وتابع تقدمه إلى ما وراء سوكنة فبلغ بونجيم وبني وليد ) .

من الرحالة الذين زاروا بني وليد كذلك وكتبوا عنها الرحالة الألماني غيرهارد رولفس ( 1831 ـ 1896 م ) الذي وصل إليها يوم 10 يناير 1879 م ، بعد عشر سنوات من زيارة غوستاف ناختيجال ، وذكر أسم بني وليد وأسم ورفلة ، وأنه التقى برجل أسماه أرفع مشايخ ورفلة هو الحاج معتوق بن رمضان الدعيكي الورفلي الذي كان قد بعث له برسالة لازالت محفوظة في متحف ( فيغزاك ) .

 ويذكر رولفس عن بني وليد ( إذا ما سار المرء على الأراضي الجرداء الممتدة من الجبال حتى بني وليد فإنه ينشرح عندما يفاجأ بمنظر غابة الزيتون الرائعة في بني وليد ، وعندما ينظر من الأعلى فإنه يعتقد الوادي ذو خضرة لا يمكن اختراقها وكأنه حصير من الخضرة .............. ويبلغ عرض الوادي حوالي كيلو متر ، وهو يتمتع بتربة جيدة ، ولا تنتشر هنا أشجار الزيتون فقط بل جميع أشجار الفواكه التي تزرع في طرابلس الغرب باستثناء النخيل  ) .

 ثم يتحدث عن سكان الوادي من قبيلة ورفلة فيقول : ( سكان الوادي ورفلة يزعمون أنهم عرب أقحاح ، ويتكلمون العربية إلا أن تحضرهم وطراز بناء قراهم التي يبلغ عددها حوالي 50 تقريباً ، وأسماء بعض القرى وأسماء السكان أنفسهم وعاداتهم كل ذلك يدعو إلى الاعتقاد أننا هنا أمام خليط قوي من السكان .................... وتتهم ورفلة بأنهم من هواة النزاع والغزو وإن تصرفاتها في التاريخ الحديث تبين أيضاً أنهم لا يعتدون كثيراً بالسلطة العثمانية ، وهم يتصرفون غالباً داخل واديهم ومنطقتهم بهدوء ) .

أما المؤرخ الليبي حسن الفقيه حسن ( 1783 ـ 1868 م ) فيذكر بني وليد في اليوميات الليبية فيقول ( ثم قتل عثمان القهـواجي في بني وليد في [12] اثني عشر يوم خلـت مـن ربيع الأول سنة 1123 هـ ) ، [ الموافق 30 . 4 . 1711 م ] ، وفي ذلك إشارة قوية إلى أن أسم بني وليد كان معروفاً في ذلك التاريخ .

وبموضع أخر يذكر وادي بن وليد بتاريخ يوم الثلاثاء 18 صفـر 1240 هـ [ الموافق 12 . 10 . 1824 م ] فيقول ( قدم علينا رقاص [ الرقاص هو الرسول أو البريد ] من عند وادي بني وليد من عند الباي محمد باي بنغازي ودرنـة سابقـاً وأخبرنـا بل أخبر سيدنـا [ يوسف باشا ] دامت معاليه بأن البلاد نافقت [ ثارت وتمردت ] وماتوا جوز من الصبايحية وهو هرب عند الطبول ) .

 ويذكر في موضع آخر ( يوم الخميس 21 ربيع الثانـي 1247 هـ [ الموافق 28 . 9 . 1831 م ] رمت محلة سيدي إبراهيم باي قرمانلي التي متوجهة إلى وادي بني وليد لأجل الطاغي اللعين عبد الجليل بن غيث ولد سيف النصر ) .

وفي موضع أخر يذكر ما فعلته حملة يوسف باشا بوادي بني وليد فيقـول : ( يـوم الثلاث 23 جمادي الثاني 1247 م [ الموافق 28 . 11 . 1831 م ] قدم علينا رحومة ولد عافية من بن وليد وأخبرنا بأن المحلة المنصورة دخلت الوادي وقطعوا النخيل والزيتون ) .

ورفلة والفتح الإسلامي :

لا نعرف إلا القليل عن تاريخ المنطقة قبل الفتح الإسلامي ، ويذهب بعض المؤرخين إلى أن الذي فتح بلاد هوارة سنة 43 هـ / 663 م ونشر الإسلام فيها هو عقبة بن نافع الفهري ( 621 ـ 682 م ) ، وتشير بعض المصادر إلى أنه تزوج امرأة من قبيلة لواتة التي كانت تستوطن مدينة برقة ( المرج الحالية ) .

وقد حارب المسلمون الروم والأمازيغ بقيادة كسيلة بن لمزم ( ت 67 هـ / 686 م ) زعيم قبيلة أوربة والكاهنة ديهيا بنت ماتية بن نيفان التي قتلت على يد القائد حسان بن النعمان سنة 81 هـ / 699 م ، ومنذ ذلك الحين شاركت هوارة وبقية القبائل إخوانهم المسلمين القادمين من الشرق في الفتوحات الإسلامية ، وقد ظهرت أسماء قادة عظام من الأمازيغ مثل هلال بن ثروان اللواتي وطارق بن زياد وطريف بن مالك شاركوا إخوانهم في محاربة الروم وتحرير هذه البلاد ، بل أنهم ذهبوا معهم إلى بلاد الأندلس لفتحها .

خلال فترة الفتوحات الإسلامية كانت قبائل المنطقة حرة طليقة لم تخضع لسلطان أو سلطة مركزية سواء في تلك الفترة أو الفترات اللاحقة في عهد الأمويين أو العباسيين أو الدول التي ظهرت بالمغرب الإسلامي كالأغالبة والعبيديين والموحدين والحفصيين ، وكانت وديان منطقة بني وليد وجبالها هي الملجأ لهذه القبائل ، وكان هم الولاة بطبيعة الحـال هو جمع الضرائب من السكان المحليين .

وفي عهد الأغالبة وخاصـة في عهد الأمير الأغلبي السادس أبي إبراهيم بن أحمد ( 856 ـ 863 م ) ثارت قبائل لهانة سنة 245 هـ / 860 م ورفضت دفع الضرائب ، وكان التمرد واسعاً حيث شاركت قبائل ورفلة في المعارك التي دارت بين والي طرابلس عبد الله بن محمد بن الأغلب وتلك القبائل مما اضطره إلى طلب النجدة من عاصمة الأغالبة فأرسل له الأمير قوات بقيادة أبنه زيادة الله ، وكانت نتيجة المعركة هزيمة تلك القبائل المتمردة على السلطة المركزية في طرابلس .

منذ مجيء العرب المسلمين ونشرهم للدين الإسلامي أخذت المعالم الإسلامية تظهر في هذه البلاد ، وكان من أشهرها القصور والمساجد والقلاع والحصون ، وأودية بني وليد خير شاهد على ذلك إذ نجد بها الكثير من تلك الآثار الإسلامية فهناك مساجد في وادي بزرة ومساجد في وادي نفد ومساجد في مدينة قرزة الأثرية ، وقد بنيت هذه المساجد من الحجارة والطين ، وبني سقفها من جذوع أشجار المنطقة ، وكثرت بها الفتحات الصغيرة على هيئة مستطيل ، والنوافذ التي لا يكاد يخلو منها مسجد واحد

يمكن القول أن القبائل المستوطنة في منطقة ( ورفلة ) من قبائل هوارة وغيرها من القبائل قد حافظت على استقلالها في مناطق وجبال وأودية بني وليد ، ولم تتعرض مناطقها لوجود قبائل أخرى تزاحمها المراعي والأراضي ، بسبب أن المسلمين الأوائل الذين قادوا الفتوحات الإسلامية لم يكن هدفهم الاستقرار ، وإنما كان هدفهم نشر الدين الإسلامي في ربوع المنطقة كلها بل وصل بهم الأمر إلى مشاركة قبائل هوارة معهم في الجهاد بأرض الأندلس .

 أما عند مجيء قبائل بني هلال وبني سليم سنة 443 هـ / 1051 م فإن الأمر اختلف لأن تلك القبائل جاءت من الشرق بأطفالها وأهلها وإبلها وأغنامها ، وكان هدفها الاستقرار والإقامة والاستيلاء على أراض لغرض المرعى والإقامة حتى أن المؤرخين يذكرون أن هاتين القبيلتين اقترعتا على الأرض فحصل بنو هلال على برقة وبنو سليم على منطقة طرابلس .

 ومن هنا حصلت المواجهة بين قبائل قوية وافدة وقبائل قوية مستوطنة فلم يكن أمام قبائل هوارة سوى ثلاثة خيارات لا رابع لها إما مواجهة قبائل بني سليم الكبيرة والقوية التي لم تخضع هي الأخرى عبر تاريخها الطويل لأي سلطة منذ العصر الجاهلي ، وإما البقاء تحت سيطرة تلك القبائل ، وإما الهجرة إلى مناطق أخرى .

 ومن يطلع على كتابات المؤرخين يجد أن قبائل هوارة هاجر بعضها إلى جنوب ليبيا ومصر ومناطق تونس والجزائر والمغرب ، وبقيت قبائل قليلة في المنطقة لم تهاجر اختلطت بالقبائل العربية الوافدة ، وتعربت بفعل الزمن يقول ابن خلدون عن ذلك ( كان لهوارة هؤلاء بأفريقية ظهور وعدد منذ الفتح ............ ولما تغلب الأعراب من بني هلال وسليم على سائر النواحي بأفريقية وكثروا سكانها ، وتغلبوا عليهم أخذ هذا الفل ( يعني هوارة ) بمذهب العرب وشعارهم وشارتهم في اللبوس والزي والظعون وسائر العوائد ، وهجروا لغتهم العجمية إلى لغتهم ثم نسوها ، كأن لم تكن لهم شأن المغلوب في الاقتداء بالغالب ) .

وفي العهد التركي عم الخراب والفساد والظلم معظم أرجاء ليبيا في عهد بعض الولاة الأتراك فتفننوا في فرض الضرائب والجبايات والإتاوات الباهظة على السكان الفقراء ، فكانت هناك ضريبة تسمى بالويركو ، وهي التي عرفت ( بالميري ) ، وضريبة على الحيوانات ، وضريبة على الأشجار ، وضريبة على العقارات ، وضريبة على رأس الإنسان تسمى بضريبة ( الطاقية ) ، تصوروا أنـه وصل الأمر بالداي محمد الساقزلي ( 1042 ـ 1059 هـ / 1632 ـ 1649 م ) إلى فرض ضريبة على الأموات يدفعها ورثة الميت سدس تركة الميت ، ومن ليس عنده أموال يقوم بدفع بيضة عن كل نخلة في السنة .

وكان كل من يمتنع عن الدفع يأتون به مكتوف الأيدي في شبكة على جمل أو مربوطاً بحبل في ذيل حصان لينال الجزاء في طرابلس ، ونتيجة لذلك الظلم والعسف ثارت قبائل ورفلة وغيرها من القبائل على ظلمهم وجورهم ، بل إن أكثر المعارك وأشدها ضراوة تركزت بأرضها يقول شارل فيرو ( 1829 ـ 1888 م ) في كتابه الحوليات الليبية عن حكم عثمان داي الذي خلف الداي محمد السازقلي ( كان كل من الشيخ سالم زعيم منطقة بني وليد والشيخ منصور زعيم قبيلة المحاميد الإقطاعي ما يزالان في عداد من أعلنوا عصيانهم ضد الأتراك ، وكانا يحشدان في جبال منطقتيهما سرايا من الأعراب يقدر عددها بثلاثين ألف مقاتل ، فكـانوا يثيرون سخط الداي الأسبق ) .

وفي عهد يوسف باشا القرمانلي ثارت وتمردت منطقة بني وليد رفضاً لتلك الضرائب بالتعاون مع عدة قبائل من بينها قبيلة أولاد سليمان بزعامة عبد الجليل سيف النصر ، ذلك الفارس البطل الذي حكم المنطقة لأكثر من ( 10 ) سنوات .

حيث أرسل لهم الباشا جيشاً بقيادة أبنيه ( إبراهيم ـ علي ) تقدره بعض المصادر ( 25.000 ) ألف مقاتل ، أما عدد المقاتلين من أهالي ورفلة ومن معهم من القبائل الأخرى فيقدر ب ( 8.000 ) مقاتل ثلثهم من الفرسان على خيولهم العربية الأصيلة .

وقد دارت عدة معارك بين الطرفين أشهرها معارك ( قليعات الحطابة ـ شعبة الصرارة ـ ظهرة الشيخ قائد ـ شعبة التربة ) ، وتذكر إحدى الوثائق التاريخية عن شدة المعارك وكثرة القتلى كتبها أحد مشايخ ورفلة قوله ( حتى جرت الكلاب في بطون التريس ) بمعنى كثرة القتلى ، وتركهم بدون دفن حتى أكلتهم الكلاب ، ولم تنتهي تلك المعارك إلا بعد تدخل ما يعرف في ذلك الزمان بالمرابطين للوساطة بين الطرفين المتقاتلين.

السكان وأصلهم :

إن الحديث عن أصول قبائل بني وليد يحتاج إلى البحث والدراسة خاصة في ظل انعدام المصادر الموثقة ، أما الوثائق التي تخص ملك الأرض والآبار فهي مهمة جداً ، وهي إن وجدت فإن أصحابها يرفضون عرضها وإبرازها للباحثين بحجة أن تلك الوثائق هي مصدر أساسي لملكية الأرض ، ولا يجوز حسب زعمهم إظهارها ، ومعرفة الغير لمحتواها .

 أما المصادر المكتوبة فهي قليلة ولا يمكن الاعتماد عليها ، بقيت الإشارة إلى الرواية الشفوية وهي حسب رأيي ذات أهمية بالغة لأنها متوارثة من جيل إلى جيل ، وكل شخص ينتمي إلى قبيلة لديه ما يقول عنها وعن تاريخها وعلمائها ورجالها ، وملكيتها للأرض .

كما تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن القبائل وأصولها يجب أن يكون بعيد عن العواطف بمعنى التجرد من الانتماء للقبيلة ، لأن ذلك الانتماء يفقد البحث العلمي مصداقيته ، ويجعله عرضه للنقد ، لذلك رأيت أن أكتب بصفة عامة دون ذكر قبيلة معينة من قبائل بني وليد .

 أما التقسيمات الخمسة المعروفة لقبائل بني وليد اليوم ( السعدات . الجماملة . السبايع . الفلادنة . الأوطيين ) فهي تقسيمات إدارية ، وليست عرقية ظهرت في العهد العثماني الهدف منها إيجاد أرضية لفرض الضرائب وتحصيلها من السكان ، وقد سبقتها قبائل وجدت في أرض بني وليد انقرضت أو هـاجرت أو غيرت أسماءها بفعـل تطور الزمن .

 كما ذكرنا في مقال سابق فإن بعض الباحثين يذكرون المطارفة والزكاروة كأصل لقبائل ورفلة أو لبعضها ، ويظهر من وثائق ملكية الأرض والآبار القديمة أن بني مطرف هم أصحاب الملكية الأوسع في منطقة ورفلة

 هاجرت الكثير من قبائل بني وليد في عهد حكم السوالم لمنطقة بني وليد إلى عدة مناطق هرباً من حكمهم الجائر فهاجرت بعض القبائل من بني مطرف إلى تونس ، وهاجرت قبائل من الزكاروة ومعهم بعض المطارفة إلى الشرق وخاصة برقة ، وقد حكم السوالم منطقة ورفلة قبل حكم أسرة بني تليس .

ترجع أصول القبائل في بني وليد إلى أصول مختلفة فمنهم القبائل القديمة التي ترجع في أصولها إلى القبائل التي استوطنت بني وليد منذ القدم ، ويذكر كبار السن في رواياتهم أنها ثلاث أو أربع قبائل .

 وهناك قبائل تعود في أصولها إلى أشخاص هاجروا من المغرب أو المشرق أو الأندلس خاصة بعد سقوطها بيد الأسبان وتنكيلهم بالمسلمين هناك فهاجر الكثيرون منهم واستقروا في منطقة شمال أفريقيا ، ولا زالت هناك روايات عند كبار السن أن بعض القبائل في بني وليد تعود في أصولها إلى قبائل هاجرت من الأندلس أو المغرب الأقصى ، واستقرت في بني وليد

 ومما يدعم هذا الرأي أنه توجد في اللهجة العامية لدى سكان بني وليد ( ورفلة ) كلمات كانت متداولة في الأندلس مما يؤكد أن السكان تناقلوا هذه الكلمات واستعملوها ، ولا زالت موجودة إلى يومنا هذا مثل الكلمات التالية : ( بتية . طنجرة . الفقوص . شوي . بازوزي . بشماط . أشوي . نفهمك . منجوه . الكوشة . السفنز . البراني . الترفاس . انتلف . الجنان . الحوازة . الخيش . بالي . الدلاع . زنقة . السباط . السافي . السميد . السلوم . الشكارة . الصردوك . العلفة . الزليز . هاذولي . خير منو . المالقي ) .

إن تلك الكلمات التي ذكرناها كانت متداولة عند أهل الأندلس وهي اليوم لا زالت متداولة عند أهالي بني وليد والمناطق المجاورة لها ، وإذا بحثنا في أصولها فإننا نجدها من أصول مختلفة ، ومن الطبيعي أن الناس لما ترتحل وتهاجر من موطنها الأصلي تجلب معها أغراضها والأشياء التي كانت تستعملها ، وحتى الألفاظ والكلمات التي كانت تتخاطب بها ، ونتيجة للتجاور والمعايشة والتجارة تنتقل هذه الكلمات وتصبح سائدة في تلك المنطقة ، وبعض الكلمات السابقة ورد ذكرها في الشعر الأندلسي ، وفي بعض كتابات المؤرخين الأندلسيين .

ومنها على سبيل المثال كلمة ( المالقي ) الذي هو وعاء لشرب الماء لا زال موجوداً إلى اليوم عند عرب بني وليد ، وأغلب الظن أنه منسوب إلى مدينة مالقة الأندلسية التي كانت مشهورة بصناعة الفخار والزجاج ، وقد جاء في كتاب تحفة المغترب ببلاد المغرب لأحمد القشتالي أن الشيخ أبا مروان كان مريضاً ، وكان يشرب الماء في إبريق مالقي أخضر .

وأما الشعر الأندلسي فقد وردت به كلمات تشبه ما يتحدث به أهل بني وليد ، قـال أبو بكـر أبن قزمان ( 480 ـ 555 هـ / 1078 ـ 1160 م ) متغزلاً في امرأة أسمها نجيمة :

ذاب نعشقك لا ليمة  نجيمة من يحبك .. ويموت فيك إن قتلت عاد يكون بيك

وقال :

كل واحد بصاحبو قد بلى ............ ذا وذالي وذاك وهاذولي

وقال ابن بشرى الغرناطي :

من صد عني صددت عنو ........... وأشغلت بالي بخير منو

الشاهد في الأبيات السابقة هو قوله يكون بيك وهاذولي وخير منو وبالي ( بمعنى خاطري ) وهي كلمات لازالت مستعملة في بني وليد إلى اليوم ، بل ليس في بني وليد فحسب وإنما في أغلب مناطق ليبيا ، وخاصة مناطق الشمال التي تأثرت بالهجرات الأندلسية بعد سقوط الأندلس بيد الأسبان ، وعنها أخذنا حتى فن المالوف والموشحات .

 يمكننا القول أن قبائل بني وليد الحالية ( 53 قبيلة ) تكونت عبر سلسلة طويلة من الصراعات والهجرات في فترات زمنية مختلفة ، منهم القديم ومنهم الحديث ، ومنهم الوافد ومنهم المستوطن ، وأن تلك القبائل في أغلبها هي خليط لا تربطهم صلة نسب مع بعضهم ، وأما ( وسم الإبل ) المشترك عند بعض القبائل فهو ليس دليلاً على الارتباط في النسب .

وأنا كباحث في مجال التاريخ أؤكد بعد سماعي للروايات الشفوية ممن ينتمون إلى تلك القبائل والإطلاع على بعض المصادر والمراجع وبعض الوثائق أن قبائل ورفلة ترجع في معظمها إلى الأصول التالية :

[1] . قبائل ترجع في أصولها إلى بني هلال .

[2] . قبائل ترجع في أصولها إلى بني سليم .

[3] . قبائل ترجع في أصولها إلى الأدارسة .

[4] . قبائل ترجع في أصولها إلى قبائل عربية أخرى كبني فزارة وغيرها .

[5] . قبائل ترجع في أصولها إلى قبائل محلية قديمة .

[6] . قبائل ترجع في أصولها إلى الأشراف .


لقد سئل الإمام سحنون ( 160 ـ 240 هـ / 776 ـ 854 م ) عند عودته من طرابلس عن تلك البلاد فقال عنها ( رأيت رجالاً بطرابلس ما الفضيل بن عياض بأفضل منهم ) ، وطرابلس في ذلك الوقت هي ليبيا اليوم



والله ولي التوفيق والمستعان والهادي إلى الطريق المستقيم .........


المقال منقول بنصرف ولمشاهدة الموضوع في الرابط الأصلي








روابط المدونة على مواقع التواصل الاجتماعي:

3 comments:

غير معرف يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي أنا من الجزائر و هناك قبيلة تدعى (ورفلة) تابعة لعرش يحي بن طالب تقع في شرق الجزائر في ولاية ( تبسة) ، أريد أستفسر هل هي جزء من قبيلة (ورفة ) في ليبيا أم تشابه أسماء علما أن المؤرخ المغربي عبد الوهاب بن منصور رحمه الله ورد عنده:

قبائل ورفـل : من قبائل لهانة البرانس، وورد عند ابن منصور أن منها بطن يدعى (ورفلة) مندرج في قبيلة أولاد يحيى (دوار ابن الكفيف) المستقرة قرب (تبسة) بالجزائر

وبارك الله فيكم.

غير معرف يقول...

اخى الكريم من حقك ان تتور من اجل مدينتك و لكن بخصوص ماقلته عن مدينة طرابلس وتاريخها ليس من حقك ان تتكلم بهدةه الطريقة ودلك بسبب وجود فئة ضالة موجودة فى كل مدن العالم وليس فى طرابلس فقط اما ما يخص مصطلح (ولد بلاد) فهو مصطلح موجود فى كل العواصم ومنها مدينة طرابلس وليس من المفروض دكره فهى لم تؤثر لامن قريب ولا من بعيد احب ليبيا واحب كل مدنها دون استتناء واحب طرابلس لانها مدينتى واحترم كل شخص يحب بلاده وشكرا

iean يقول...

لغط كبير وعدم وجود مراجع

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Free Web Hosting